في إنجاز علمي غير مسبوق يضاف إلى سجل إنجازات استكشاف الفضاء، تمكن العلماء أخيراً من فك شفرة واحد من أكثر الألغاز التي حيرت المجتمع الفلكي منذ بدء تشغيل تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST). لقد كشفت دراسة حديثة أن «النقاط الحمراء الصغيرة» الغامضة المتناثرة في أرجاء الكون المبكر ليست سوى ثقوب سوداء عملاقة في طور النمو السريع.
كشف النقاب عن لغز النقاط الحمراء
وفقاً لدراسة فلكية حديثة ونوعية نُشرت في 17 سبتمبر 2026، تم تسليط الضوء على طبيعة هذه الأجرام السماوية التي ظهرت كبقع حمراء خافتة في الصور العميقة التي التقطها تلسكوب جيمس ويب. للوصول إلى هذه النتائج الدقيقة، اعتمد الباحثون على عمليات محاكاة فائقة الدقة والتعقيد باستخدام الحاسوب العملاق الياباني «ATERUI III»، والذي يُعد واحداً من أقوى الحواسيب المخصصة للأبحاث الفلكية في العالم.
تحالف علمي عالمي يقود الاكتشاف
قاد هذا البحث الرائد فريق دولي متميز برئاسة العالم سونميون تشون من معهد ماكس بلانك للفيزياء الفلكية، وذلك بالتعاون الوثيق مع المرصد الفلكي الوطني في اليابان. هذا التعاون المؤسسي أثمر عن دمج البيانات الرصدية المذهلة لتلسكوب جيمس ويب مع القدرات الحسابية الجبارة لتقديم نموذج دقيق يفسر ما حدث في فجر الكون.
كيف نمت هذه الثقوب السوداء بهذه السرعة؟
كان التساؤل الأكبر الذي واجه العلماء هو: كيف يمكن لثقوب سوداء هائلة الكتلة أن تتواجد في وقت مبكر جداً بعد الانفجار العظيم؟ أوضح الفريق البحثي أن السر يكمن في البيئة القاسية للكون المبكر. فقد وفرت الغازات الكثيفة جداً والإشعاعات الشديدة المحيطة بهذه الثقوب «وليمة كونية» غير مسبوقة.
معدلات نمو تفوق التوقعات
أظهرت عمليات المحاكاة أن هذه الظروف المتطرفة سمحت للثقوب السوداء بابتلاع المادة والنمو بمعدلات أسرع بعشرات المرات مقارنة بالثقوب السوداء التي نرصدها في الكون المحلي حالياً. هذا الاستهلاك النهم للمادة يفسر اللون الأحمر الصادر عنها، والذي ينتج عن تمدد الضوء (الانزياح نحو الأحمر) أثناء رحلته الطويلة عبر الكون المتوسع، بالإضافة إلى الغبار الكوني الكثيف المحيط بها.
الفيزياء المألوفة تنتصر مجدداً
من أهم الاستنتاجات التي خلصت إليها هذه الدراسة هو أنها قدمت تفسيراً منطقياً وعلمياً راسخاً لتشكل الثقوب السوداء الفائقة الكتلة في بدايات الكون، دون الحاجة إلى ابتكار قوانين فيزيائية جديدة أو غير مألوفة. لقد أثبتت المحاكاة أن قوانين الفيزياء الحالية، عند تطبيقها على الظروف الاستثنائية للكون المبكر، قادرة تماماً على تفسير هذا النمو الهائل والسريع الذي حير العلماء لسنوات.
آفاق جديدة لعلم الكونيات
يُعد هذا الاكتشاف حجر زاوية في فهمنا لكيفية تطور الكون من حالة البلازما الساخنة بعد الانفجار العظيم إلى الشبكة المعقدة من المجرات والثقوب السوداء التي نراها اليوم. ومع استمرار تلسكوب جيمس ويب في التحديق في أعماق الكون، مدعوماً بقدرات الحوسبة الفائقة على الأرض، نترقب المزيد من الإجابات المذهلة عن أصول كوننا العظيم وكيفية تشكل هياكله العملاقة.

