أسدل الستار اليوم الأحد، 13 سبتمبر 2026، على فعاليات القمة الثامنة عشرة لمجموعة ‘بريكس’ التي استضافتها العاصمة الهندية نيودلهي، وسط ترقب عالمي لمخرجات هذا التكتل الذي بات يمثل ثقلاً استراتيجياً واقتصادياً لا يستهان به على الساحة الدولية. وقد تميزت الجلسة الختامية بتباين واضح وتكامل في نفس الوقت بين الرؤى الاستراتيجية لأكبر قوتين ديموغرافيتين في المجموعة؛ حيث ركزت الصين على استشراف المستقبل التكنولوجي، بينما وجهت الهند أنظار العالم نحو المخاطر الجيوسياسية المحدقة بالاقتصاد العالمي.
التنين الصيني يقود مبادرة ‘بريكس’ للذكاء الاصطناعي
في خطوة اعتبرها المحللون بمثابة إعلان عن حقبة جديدة من الاستقلال التكنولوجي، فاجأ الرئيس الصيني شي جين بينغ الحضور بإطلاق مبادرة استراتيجية ضخمة تقودها بكين تحت اسم ‘منطقة بريكس مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي’. تأتي هذه المبادرة كرد مباشر على الاحتكار المتزايد للتقنيات المتقدمة من قبل الدول الغربية، وتهدف إلى خلق بيئة تكنولوجية تشاركية ومستدامة بين دول الجنوب العالمي.
أهداف الرؤية التكنولوجية الصينية
تتمحور المبادرة الصينية حول عدة ركائز أساسية تهدف إلى تسريع وتيرة التحول الرقمي لدول البريكس، ومن أبرزها:
- تطوير النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs): بناء نماذج ذكاء اصطناعي تدعم اللغات المحلية لدول المجموعة، مما يقلل الاعتماد على النماذج الغربية التي قد تحمل انحيازات ثقافية أو سياسية.
- تدريب الكوادر والأنظمة: إطلاق برامج مشتركة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتأهيل المهندسين والمطورين من كافة الدول الأعضاء.
- بناء منظومة تقنية متكاملة: تأسيس بنية تحتية رقمية تتيح تبادل البيانات الآمنة وتطوير برمجيات مفتوحة المصدر يمكن لجميع الدول النامية الاستفادة منها وتطويرها.
الهند تدق ناقوس الخطر: سلاسل الإمداد في مهب الريح
على الجانب الآخر من المشهد، تبنى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نبرة تحذيرية شديدة اللهجة خلال كلمته الختامية. فقد سلط الضوء على التداعيات الكارثية التي تفرضها التوترات الجيوسياسية المستمرة على استقرار الاقتصاد العالمي، مؤكداً أن دول ‘بريكس’ ليست بمنأى عن هذه الهزات الارتدادية.
تداعيات حربي أوكرانيا وإيران
حدد مودي بوضوح التهديدات الناجمة عن استمرار الحرب في أوكرانيا، بالإضافة إلى الصراع الدائر والمواجهات المتعلقة بإيران، معتبراً أن هذين الملفين يمثلان ‘قنبلة موقوتة’ تهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية. وأوضح أن اضطراب طرق الملاحة، وأزمات الطاقة، ونقص المواد الخام، كلها عوامل تستوجب تدخلاً عاجلاً واستراتيجية دفاعية اقتصادية موحدة.
استراتيجية الحماية والتوسع الاقتصادي
لم يكتفِ مودي بالتحذير، بل اقترح خارطة طريق تعتمد على:
- ضرورة حماية الأسواق المحلية لدول ‘بريكس’ من الصدمات الخارجية عبر تقليل الاعتماد على الدولار في التبادلات التجارية.
- توسيع شبكات الشراكات الاقتصادية والأمنية بين دول المجموعة والدول المنضمة حديثاً.
- تأمين ممرات تجارية بديلة ومستدامة لا تتأثر بالنزاعات الغربية أو الإقليمية.
الطريق نحو 2027: الصين تتسلم الراية
مع اختتام قمة نيودلهي، تم الإعلان رسمياً عن انتقال رئاسة مجموعة ‘بريكس’ إلى جمهورية الصين الشعبية في عام 2027. ومن المتوقع أن تستغل بكين فترة رئاستها لتسريع تنفيذ مبادرة الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، وتعميق الروابط المؤسسية بين الدول الأعضاء، مما قد يمهد لتأسيس نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يعتمد على التكنولوجيا كركيزة أساسية للسيادة الوطنية.
في الختام، أثبتت قمة نيودلهي 2026 أن مجموعة ‘بريكس’ قد تجاوزت مرحلة التنسيق الاقتصادي التقليدي، لتدخل بقوة في صياغة النظام العالمي الجديد، سواء عبر قيادة الابتكار التكنولوجي أو عبر وضع سياسات استباقية لحماية الأمن الاقتصادي العالمي.

